ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
55
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
وقال بعضهم : بل الشريعة هي الحقيقة ، والصحيح أن الشريعة هي أصل كل علم ، أصل كل ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأما الحقيقة فقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : كنت أدخل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأجده وأبا بكر يتحدثان في الحقيقة فلا أفهم ما يقول . وكان صلّى اللّه عليه وسلم يواصل فلما واصل المسلمون شقّ عليهم فقال : « لا تواصلوا فإن لي ربا يطعمني ويسقيني » « 1 » ، والمواصلة تذيب جسمانية الكثافة وتجلي ران القلب وتضمحل بها الظلمة ، وتزيل القسوة ، وتسرع بالدمعة ، وتطوي حجب النفس ، وبها تحصل الفراسة الصادقة ؛ فإن الجوع أعظم الأدوية للقلب وبه تنجم مادة الطبع وسواد النفس من الخبث والعشق والشهوة والمأثم ومدعياته حقيقته ؛ لأن اللّه تعالى خفّف عن خلقه من خمسين إلى خمس صلوات لكن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سيد الخلق وكان [ لا ] يعصم « 2 » حتى يشد الحجر على بطنه ، ويقوم حتى تفطرت قدماه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم إن الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه عمالا إذا تنهد يشم لكبده رائحة عظيمة ، وأنفق ماله ، وتخلل بالعبادة ، وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه شديد الجهد في الكد ، دلقه « 3 » مرقع بالجلود ورأسه ملفوفة بقطعة خيش ، وقيل عليه كساء ، وكان شديد الاشتغال قوي المجاهدة في الأعمال ، وكان عثمان بن عفان رضي اللّه عنه يختم كل ليلة القرآن وتال القرآن على الدوام وكان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه إمام المحراب فارس الصحراء ، مبيد جيوش الكفر قامع الكفرة بالقضيب السمر ، وكان مجاهدا بالصيام والحسام وفاتح أكبر بلاد الإسلام ، ثم كان رضي اللّه عنه تظهر أطراف بنانه من قميص ثيابه ، وكان إذا سجد ما يرفع حتى لو قلع النصل من قدميه ما يعي ولا يعرف به ، وكان ذا علم وحلم وشجاعة وبراعة وزهد واشتغال ، وأعمال هؤلاء لخواص الصحابة مع قربهم من سيد الأولين والآخرين . هذا كان عملهم هذا كان اجتهادهم وزهدهم وجوعهم وحقائقهم ، فالكل حق حقيقة ، فالحقيقة تحقيق الأمور بالأعمال غير المفروضات ، حقيقة في العمل وحقيقة في النية وحقيقة في الكلام ، والحقائق والطرائف أبحر موّاجة ، لا يعوم
--> ( 1 ) روى نحوه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 7359 ) [ 2 / 261 ] ونصه : « . . إنكم لستم كهيئتي إن اللّه حبي يطعمني ويسقيني » وفي رواية : « إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني » . ( 2 ) عصمه الطعام : منعه من الجوع . وهذا طعام يعصم : منعه من الجوع ( لسان العرب ) . ( 3 ) دلقه : ثوبه .